عبد الوهاب الشعراني
3
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
بسم اللّه الرحمن الرحيم الباب الثاني في بيان نبذة من آداب المريد مع شيخه اعلم يا أخي ، أن عمدة الأدب مع الشيخ ، هو المحبّة له ، فمن لم يبالغ في محبة شيخه بحيث يؤثره على جميع شهواته ، لا يفلح في الطريق ؛ لأن محبة الشيخ إنما هي مرتبة إدمان ، يترقى المريد منها إلى مرتبة الحق جلّ وعلا ، ومن لم يحب الواسطة بينه وبين ربه التي من جملتها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهو منافق ، والمنافق في الدرك الأسفل من النار ، إذا علمت ذلك فليذكر لك بعض صفات المحبين لأشياخهم ، لتعرف صدقك من كذبك . فأقول وباللّه التوفيق : أجمع أهل الطريق على أن من صفات المريد الصادق في محبة الشيخ أن يكون تائبا من جميع الذنوب ، متطهرا من سائر العيوب . فمن تلطخ بالذنوب وادعى محبة شيخه فهو كاذب ، وكما أنه لا يحب شيخه فكذلك شيخه لا يحبه ، وإذا لم يحبه شيخه فالحق تعالى كذلك لا يحبه ، قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » وقال « إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ » « إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً » « أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ » ونحوها من الآيات . وأجمعوا على أن من شرط المحب لشيخه أن يصم أذنه عن سماع كلام أحد في الطريق غير شيخه ، فلا يقبل عذل عاذل « 1 » ، حتى لو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد لم يقدروا على أن ينفروه من شيخه ، ولو غاب عنه الطعام والشراب أياما لاستغنى عنها بالنظر إلى شيخه لتخيله في باله ، وبلغنا عن بعضهم أنه لما دخل هذا المقام سمن وعبل من نظره إلى أستاذه . قال الشيخ محيي الدين بن العربي : ولقد تجسّد لي مرة حبي لشيخي أبي مدين رضي اللّه عنه ، فكنت لا أقدر أن أنظر إليه ، وكان يخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه ، قال : ولقد تركني
--> ( 1 ) العاذل : هو اللائم .